تتناول ناريمان أمين التحولات العميقة التي شهدها جيل من المصريين منذ انتفاضة يناير 2011، حين خرج مواطنون من مختلف الطبقات والخلفيات مطالبين بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، في مواجهة حكم استبدادي امتد ثلاثين عامًا وأدار البلاد بقانون الطوارئ والقمع الأمني.


يوضح ذا كونفرزيشن أن تلك اللحظة التاريخية فتحت بابًا غير مسبوق أمام المشاركة السياسية والتعبير العام، لكنها سرعان ما كشفت عن انقسامات حادة وتجربة ديمقراطية قصيرة العمر، تركت آثارًا اجتماعية ودينية عميقة ما زالت حاضرة حتى اليوم.


من الوحدة الثورية إلى الانقسام السياسي


وحدت أيام الانتفاضة الأولى المصريين على اختلاف أعمارهم وانتماءاتهم الدينية والاجتماعية. وقف المسلم والمسيحي، الرجل والمرأة، الغني والفقير، جنبًا إلى جنب في الميادين، مؤمنين بقدرة الإرادة الجماعية على إحداث التغيير. رسّخ تنحي الرئيس في فبراير 2011 شعورًا عامًا بالقوة والتمكين، وأوحى بأن الشعب يستطيع كسر الخوف وصناعة مصيره.


لكن هذا التماسك لم يدم طويلًا. ظهرت انقسامات سياسية حادة مع بدء المرحلة الانتقالية وفتح المجال أمام انتخابات بدت في بدايتها نزيهة. ترافقت الآمال مع خيبات متكررة، إذ عجزت التجربة الوليدة عن تحقيق تطلعات واسعة، وتصارعت قوى مختلفة على السلطة في مناخ مشحون.


أدى هذا المسار إلى إعادة طرح أسئلة جوهرية لدى الشباب حول معنى الثورة وحدود السياسة، وحول العلاقة بين القيم التي رفعتها الانتفاضة والواقع الذي تشكل بعدها.


الدين في قلب التحول الاجتماعي


تعيش مصر في فضاء ديني كثيف الحضور، حيث يتداخل الدين مع الحياة اليومية في الممارسات والرموز والخطاب العام. شهدت العقود السابقة للثورة صعودًا ملحوظًا لأشكال التدين الظاهري، مدفوعة بحركات دينية قدمت خدمات اجتماعية وربطت الالتزام الديني بمظاهر محددة في اللباس والسلوك.


تستند الدراسة التي تقدمها الكاتبة إلى مقابلات مع عشرات الشباب المسلمين من الطبقة الوسطى، عاشوا لحظة الثورة في مقتبل العمر. أتاح لهم الانفتاح السياسي والاجتماعي بعد 2011 مساحة غير مسبوقة لمساءلة كل ما اعتادوا عليه، بما في ذلك فهمهم للدين وتعاليمه.


أعاد كثيرون تعريف علاقتهم بالإيمان، ففصل بعضهم بين الأخلاق والروحانيات من جهة، والطقوس والمظاهر من جهة أخرى. اختار بعضهم مسارات روحية بديلة، مثل التصوف أو ممارسات التأمل، بينما قرر آخرون الابتعاد عن الدين كليًا. لم يكن هذا التحول رفضًا بسيطًا، بل تعبيرًا عن بحث فردي عن معنى أكثر اتساقًا مع التجربة الشخصية.


السياسة، الخطاب الديني، وكسر اليقين


أدى صعود قوى دينية إلى المشهد السياسي بعد الثورة، ثم سقوطها العنيف لاحقًا، إلى تعميق الشكوك لدى هذا الجيل. تابع الشباب استخدام الخطاب الديني لتبرير مواقف سياسية متناقضة، ولاحظوا كيف انتقل بعض الدعاة من تحريم الاحتجاج إلى الدعوة إليه، أو التزام الصمت أمام العنف والقمع.


شكّلت هذه التناقضات صدمة أخلاقية لكثيرين، إذ تعارض السلوك السياسي مع القيم التي رُوّج لها دينيًا لسنوات. دفعت هذه التجربة عددًا من الشباب إلى إعادة النظر في فكرة السلطة الدينية ذاتها، وفي من يملك حق التحدث باسم الدين.


تعكس بيانات استطلاعات الرأي هذا التحول، إذ ازداد الرفض لفكرة تولي المتدينين مناصب سياسية، وتراجعت الثقة في خلط الدين بالسلطة. لم يعد السؤال يدور حول الإيمان من عدمه فقط، بل حول حدود الدين في المجال العام ودوره في السياسة.


بعد خمسة عشر عامًا، لم تحقق الانتفاضة أهدافها السياسية والاقتصادية الكبرى، لكن آثارها الاجتماعية ما زالت حية. أعادت الثورة تشكيل علاقة جيل كامل بذاته وبالدين وبالدولة، وفتحت مسارات فردية جديدة للفهم والاختيار. قد تخبو لحظات التغيير السياسي، لكن التحولات العميقة في الوعي تظل أطول عمرًا، وتواصل تشكيل المجتمع بصمت.

 

https://theconversation.com/fifteen-years-after-egypts-uprising-how-faith-and-politics-reshaped-a-generation-274430